رحيل صاحب السينما المتفردة.. وفاة المخرج الكبير داوود عبدالسيد عن 79 عامًا

فقدت السينما المصرية، منذ قليل، أحد أبرز رموزها الفكرية والفنية، بوفاة المخرج والسيناريست الكبير داوود عبدالسيد عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة طويلة ترك خلالها بصمة عميقة في الوجدان الثقافي والفني، وارتبط اسمه بأعمال سينمائية أثارت الجدل وفتحت مساحات واسعة للتأمل والسؤال.

وأعلنت زوجته الكاتبة كريمة كمال خبر الوفاة عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حيث كتبت كلمات مؤثرة نعت فيها زوجها، قائلة: «رحل اليوم أغلى ما عندي، زوجي وحبيبي داوود عبدالسيد»، لتنهال بعدها رسائل التعزية من محبيه وزملائه وتلاميذه في الوسط الفني.

يُعد داوود عبدالسيد واحدًا من أهم صناع السينما في مصر والعالم العربي، إذ تميزت أعماله بعمقها الفلسفي وجرأتها الفكرية، واعتمادها على طرح الأسئلة الوجودية والإنسانية بعيدًا عن القوالب التجارية السائدة. وُلد عبدالسيد عام 1946، وتخرج في المعهد العالي للسينما عام 1967، حيث حصل على بكالوريوس الإخراج السينمائي، قبل أن يبدأ رحلته المهنية مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، من بينهم يوسف شاهين في فيلم «الأرض»، وكمال الشيخ في «الرجل الذي فقد ظله»، وهو ما ساهم في صقل أدواته الفنية وتكوين رؤيته الإخراجية الخاصة.

في بداياته، اتجه داوود عبدالسيد إلى السينما التسجيلية، مقدمًا عددًا من الأفلام ذات الطابع الاجتماعي والإنساني، التي رصدت تفاصيل الحياة اليومية وهموم البسطاء، ومن بينها «وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم»، و«العمل في الحقل»، و«عن الناس والأنبياء والفنانين»، وهي أعمال كشفت مبكرًا عن انحيازه للإنسان البسيط وقدرته على قراءة المجتمع بوعي نقدي عميق.

ومع انتقاله إلى السينما الروائية الطويلة، رسخ عبدالسيد مكانته كمخرج صاحب مشروع فني متكامل، حيث قدم أفلامًا أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية، مثل «الصعاليك»، و«الكيت كات»، و«أرض الخوف»، و«رسائل البحر»، وهي أعمال تميزت ببناء درامي مختلف، وشخصيات إشكالية، ونهايات مفتوحة تترك المتلقي في حالة تفكير وتأمل.

ولم تكن أفلامه مجرد حكايات، بل رؤى فكرية ناقشت قضايا الحرية، والسلطة، والخوف، والاغتراب، والبحث عن المعنى.

وبرحيل داوود عبدالسيد، تخسر السينما المصرية مبدعًا استثنائيًا آمن بدور الفن في طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات الجاهزة، وراهن على وعي الجمهور وقدرته على التفاعل مع الأعمال العميقة.

وقد نعته نقابات فنية وعدد كبير من المخرجين والكتاب والمثقفين، مؤكدين أن إرثه الفني سيظل حاضرًا، وأن أفلامه ستبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ السينما المصرية، ومرجعًا للأجيال الجديدة من صناع السينما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى